محمد متولي الشعراوي

6216

تفسير الشعراوى

وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد ذهب إلى الطائف ليطلب من أهلها النصرة بعد أن آذاه قومه في مكة فلم يجد النصير « 1 » ، وجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قريبا من حائط بستان . فلما رآه صاحبا البستان - عتبة وشيبة ابنا ربيعة - وما لقى من السفهاء ؛ تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا ، يقال له عدّاس ، فقالا له : خذ قطفا من هذا العنب ، فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه ، ففعل عدّاس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال له : كل ، فلما وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه يده ، قال : باسم اللّه ، ثم أكل ، فنظر عداس في وجهه ، ثم قال : واللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ومن أهل أىّ البلاد أنت يا عدّاس ، وما دينك ؟ » . قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرية الرجل الصالح يونس ابن متّى » ؛ فقال له عداس : وما يدريك ما يونس بن متّى ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي » ، فأكبّ عداس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقبّل رأسه ويديه وقدميه . ولما سأل صاحبا البستان عدّاسا عن صنيعه هذا . قال لهما : لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي « 2 » .

--> ( 1 ) لما يئس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه بمكة الذين آذوه وآذوا المسلمين لجأ إلى « الطائف » يطلب نصرة « ثقيف » وكلمهم وعرض عليهم الإسلام ، فما كان منهم إلا أن رفضوا الأمر ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، يسبونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس ، وألجأوه إلى حائط ( بستان ) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة . ورجع عنه سفهاء ثقيف ، فعمد إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه . وهنا دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ربه قائلا : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتى ، وقلة حيلتي ، وهوانى على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربى ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمرى ؟ إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علىّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » . [ السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 419 ، 420 ] . . بتصرف . ( 2 ) انظر : تفصيل هذه القصة في السيرة النبوية لابن هشام ( 2 / 419 - 421 ) .